عبد الفتاح عبد المقصود
88
في نور محمد فاطمه الزهراء
أُمومة ، فلقد كان أولى بخيالاته الغضّة أن تحلّق به أيضاً في عالم أشباهه من الصغار ، وتنشد رفقةً أدنى إلى عمره الغضّ ، وأقرب إلى قلبه النديّ الرطيب . وها هو الآن ، ها هي قد ظهرت له ، من وراء ستر الغيوب ، أقبلت عليه . حلمه العذب تجسّد أخيراً ، إنسية نورانية ، كأنّها إحدى الحوريات ، فلعلّه سيغدو من بعد كمثل فراشة تحوم حولها كما تحوم حول ينبوع ضياء ، لعلّه من خلالهاسيحسّ البهجة تشيع في دنياه ، لعلّه سينغم صوته ، ويناغيها بالكلمة الحلوة والدعابة الرقيقة ، ليسمع ضحكتها الغردة ، ويرى ابتسامتها المضيئة . . لعلّ فرحته بها ستزخرف بألوانها مرائية . ففيما بدا من تطلُّق محيّاه ، وبشاشة أساريره ، وتألّق نظراته ، لاح وقد طاب نفساً ، وقرّ « 1 » فكراً ، ونَعَم بالًا بالوافدة الجديدة . ولاغرو أن يصبح وإنّه لبشْر وتيمّن واعتزاز . أفليست ستمحو وحشته ؟ ستؤنس وحدته ؟ ستسعد طفولته ؟ وقبل هذا كلّه ، وفوقه كلّه ، أَوَ ليست بالشبه الكامل لأبيها ، الماثل فيها ، ستجعل محمداً خدين روحه ، دائماً معه ، غدا أم راح ، غاب أم لاح ، في كلّ لحظةٍ من نهار ، ولحظةٍ من مساء ؟ بل إنّ سعادة محمد بالوليدة ، كما لم تكن له من قبل سعادة ، قد انتقلت عدواها إليه ، ملأت بدفئها فؤاده ، نضّرت ببشرها محيّاه ، أثرت بنورها دنياه . * * * حصائد الزمن السَوَالف « 2 » المغفية تحت أطلال الغابر ، وذكريات الأماسي القريبة ، المطلّة من كوى الماضي الداني على مشاهد الحاضر ، ومعالم اليوم السارية ، على مهل وهون ، في عرق المستقبل ، كلّها هي المادة التي رسمت بها ريشة الفنّ العبقري
--> ( 1 ) . قرّ : برد وسكن . ( 2 ) . السَوَالف : الماضية .